كنيسة الثالوث الاقدس

من الكنائس الأرمنية العريقة في العراق كنيسة الثالوث المقدس فبعد خضوع أبرشية الأرمن في العراق للبطريركية في القسطنطينية في سنة ١٨٤٨م، أرسل البطريق ماتيفوس جوخاجيان نيافة الأرشمندريت ميسروب القسطنطينيي إلى بغداد قائماً بأعمال البطريركية في العراق، حيث أصبح فيما بعد رئيسا للطائفة الأرمنية. ونتيجة لزيادة عدد الأرمن في الطائفة بادر الأرشمندريت الطيب الذكر على الفور إلى بناء كنيسة جديدة، وبجهوده الحثيثة وبتبرعات الأرمن السخية في بغداد أصبح ممكنا تشييد كنيسة الثالوث المقدس في الجهة الجنوبية من بغداد، حيث كانت أوسع وأنسب. وقد تم مسح الكنيسة وتسميتها  في ٢١ ديسمبر / كانون الأول سنة ١٨٥٢م، وباستعانته بالمحسنين من الناس أفلح الأرشمندريت الطيب الذكر أيضا في إلحاق أراض جديدة خصبة للكنيسة تضمن لحد اليوم جزءاً من الايراد الوقفية للطائفة الارمنية. وقد شيد داخل محيط الكنيسة مبنى للمطرانية بمرافقه وشيد عدد من المباني لسكن ذوي الحاجة في الجهة الغربية من الكنيسة، أما في الجهة الجنوبية منها فقد شيد مسكن للكاهن، كما كان يقع في محيط الكنيسة مبنى مدرسة المترجمين القديسين الأهلية التي أعطت للشعب العراقي نخبة من المثقفين الأرمن اللامعين.

وعقب الحرب العالمية الأولى وفد إلى هنا الناجون من الإبادة الجماعية الأرمنية وبوجه خاص آلاف المهاجرين من فاسبوراكان حيث وجدت بعض العائلات منهم المأوى فى الكنيستين الأرمنيتين الأرثوذكسيتين الموجودتين فى العاصمة وحواليهما. وقد زار ملك العراق فيصل بن الحسين كنيسة الثالوث المقدس في أغسطس/آب سنة ١٩٢١م بدعوة من ابناء الطائفة الارمنية، حيث أعرب عن شكره للشعب الأرمني لانتخابه بالإجماع ملكا وتزعمه دولة العراق المستقلة، وقال مؤكدا:” أنه استجابة لطلب ممثل الأرمن الذين وجدوا المأوى في العراق، أوافق وأسمح لهم بالعيش حيثما يشاؤون على أرض هذا البلد، وأنا متأكد من أن العراقيين كلهم يشاطرونني مشاعري ويقبلون المهاجرين بترحاب ليس كمهاجرين، بل كأبناء هذا البلد الذين يعملون من أجل تقدمه وإعماره، وتكريم مثل هذا الضيف واحترامه من مزايا بلدنا ولهذا السبب أقول من صميم قلبي أن المهاجرين الأرمن سيتلقون كل الدعم من قبل الشعب العراقي بأجمعه. استمرت هذه الكنيسة في عملها حتى سنة ١٩٥٧م. وبعد ارتفاع منسوب المياه الجوفية، انغمرت باحة الكنيسة بالمياه، وأصبح من الضروري رفع أرضية الكنيسة والباحة، وتكررت هذه العملية عدة مرات في السنوات التالية، مما أدى إلى تغطية بعض الأضرحة الموجودة في باحة الكنيسة بالمياه وسببت الرطوبة ظهور تصدعات في أقواس الكنيسة مُهَدِّدَةً سلامتها. لذا أوعزت الدولة بوقف كل أنواع الطقوس الدينية داخل هذا المبنى. وفي سنة ١٩٥٧م بعد إقامة قداس عيد الميلاد أُغلقت الكنيسة وانهار المبنى، وبعد ذلك أخذت المراسم الكنسية تقام في كنيسة السيدة العذراء لحين تشييد كنيسة القديس كريكور المنور التي ضمت أيضا مقر المطرانية الأرمنية. كانت كنيسة الثالوث المقدس باعثة لروح الطمأنينة في نفوس العراقيين الأرمن، المحبين لعقيدتهم والمتحمسين لها، ووهبوا أراض كثيرة لها. وفي سنوات الحرب العالمية الأولى تم تخصيص أحد الأقسام المجاورة للكنيسة لتشييد دار للأيتام الوافدين إلى بغداد مع المهاجرين، بما فيهم الأيتام الذين انقذتهم العشائر العربية من الاسر والموت. وبعد توافد المهاجرين قدمت الكنيسة والسلطات الوطنية خدمات جليلة للمهاجرين. وبعد احتلال الإنجليز بغداد مباشرة مدت المطرانية القومية، يد العون للمهاجرين الأرمن المحرومين من وطنهم رغم إمكانياتها المحدودة، للتخفيف من وطأة آلالم. وبعد أن خاض هؤلاء الشجعان معارك الدفاع عن النفس طوال خمسة أشهر وقدموا ضحايا كثيرة، وجدوا لهم المأوى تحت قبة سماء بلاد ما بين النهرين. وبقدومه إلى بلاد ما بين النهرين من أمريكا ولدى وضع قدمه لأول مرة على عتبة الكنيسة قال الأسقف موشيغ سيروبيان موجها كلامه للجالية الأرمنية في بغداد: “أيها الأرمن في بغداد، إنني لم آت من أجلكم، بل أتيت من أجل المهاجرين المعذبين والمنكوبين، لذا سأعمل كل ما في وسعي للتخفيف من آلامهم .بعد أن استقر المهاجرون في بعقوبة صار الهم الأول لنيافة الأسقف موشيغ رعاية الأيتام والتخفيف عن المهم. وقد كتب على الفور إلى راعي الأيتام في مصر مقترحا تأسيس دار للأيتام في بعقوبة. وكان ظروف الأيتام في بغداد افضل بكثير، بيد ان اوضاع الايتام في بعقوبة بقيت على حالها، رغم أن الكنيسة أعارت كل اهتمامها بهذه المسألة ولم تتقاعس عن أداء واجبها الديني والقومي. وبدون انتظار ورود جواب من مصر أوفد نيافة الأسقف موشيغ في ١٥ أكتوبر / تشرين الأول سنة ١٩١٥م كاهن بغداد فاهان تاجيريان إلى بعقوبة بمهمة خاصة موصيا في الوقت نفسه بإدراج أسماء الأيتام في جداول وزيارة الناس باستمرار. وتنفيذا لهذه التوصية تم تضمين هذه المبادرة أرامل من أعمار متوسطة لا يزيد عددهن عن الأربعين بوصفهن راعيات في دار الأيتام المزمع إقامتها.

وقد شيدت بمبادرة رئيس المطرانية ومساندة الحكومة العراقية، كنيسة مؤقتة، أما بالنسبة للمدرسة فقد أخذت إحدى عشرة معلمة من المهاجرات الموجودات في المخيمات على عاتقهن تعليم الأطفال، وهكذا وضع أساس مدرسة في بعقوبة، حيث بلغ عدد الدارسين فيها مع مرور الوقت نحو ٢٥٠٠ تلميذ وتلميذة.