مع انهيار كنيسة الثالوث المقدس، وارتفاع اعداد الأرمن في بغداد، أصبح من الضروري بناء كنيسة جديدة تستوعب أعداد المصلين. لذا بودر بتشييد كنيسة كريكور المنور التي تضم مقر رئيس مطرانية الأرمن. تمت المباشرة ببناء هذه الكنيسة عام ١٩٥٤م، في وسط العاصمة بغداد، من أموال المتبرعين، وقد أسهم المحسن العراقي الأرمني المعروف سيمون غاريبيان إسهاما مشهودا في هذا العمل. والى جانب الكنيسة تم تشييد مبنى المطرانية الجديد بالتبرعات أيضا. إن هذه الكنيسة وكل الكنائس الموجودة في العراق، سواء أكانت في الماضي أو الحاضر، تعد الرابط الذي يحافظ الارمن من خلالها بقيمهم وتقاليدهم التي هي موروث اجدادهم، فضلاً عن احتفاظهم بلغتهم التي هي عنوانهم الروحي. لقد تم تشييد كنيسة كريكور المنور ومدرسة سفاجيان المختلطة ومبنى المترجمين القديسين، على مساحة من الأرض تبلغ ۲۲۰۰۰ متر مربع خصص ۱۸۰۰۰ متر مربع منها المقبرة الأرمن الأرثودكس .وفي ٢١ أبريل / نيسان سنة ١٩٥٧م، أنجز بناء هذا الصرح ، واقيم قداس لهذا الغرض، وذلك بمناسبة عيد الفصح. وقد قام بمسح المائدة المقدسة نيافة الأرشمندريت أزكون هاكوبيان الذي شهد الإبادة الجماعية الأرمنية. أما. تكريس الكنيسة فقد تم في ۱۹۷۸م على يد نيافة المطران هوسيك سانتوريان القادم من أرمينيا إلى العراق، بمناسبة الزيارة الأبوية المشرفة التي قام بها قداسة كاثوليكوس عموم الأرمن فازكين الأول من إتشميازين المقدسة إلى أبرشية الأرمن في العراق .تم اجراء ترميم هذه الكنيسة للفترة بين شهر يونيو/حزيران حتى شهر ديسمبر/كانون الأول لسنة ١٩٨٤م اي بعد (٢٥) عاماً من تشييدها، خلال هذه الفترة توقفت جميع الاجراءات الكنسية، وما أن تم ترميم المبنى وصيانته حتى عاودت هذه الكنيسة مهامها الدينية والاجتماعية، والابوية. وفي عام ١٩٨٥م كانت الكنيسة مستعدة لاستقبال أبنائها. وبعد إجراء مراسم عيد الميلاد المقدس، بمناسبة الزيارة التاريخية التي قام بها قداسة كاثوليكوس عموم الأرمن في السنة المذكورة إلى الأبرشية في العراق نُصبت باحتفال مهيب أيقونات المائدة المقدسة ومريم العذراء والتبشير والقيامة في أماكنها المخصصة .تضم كنيسة كريكور المنور مطرانية الأرمن في العراق) متحفاً حمل اسم نيافة الأرشمندريت ميسروب القسطنطينيي الذي احتوى على أوان كنسية مقدسة وثياب وأغطية محاكة باليد للمتبرعين وصور زيتية رسائل رعوية مقدسة من مختلف الأزمنة، وكذلك مخطوطات يدوية وغيرها. إن هذه الكنيسة التي شيدها ورثة الذين شهدوا الإبادة الجماعية الأرمنية كان من الضروري إغناؤها بنصب يخلد ذكرى الشهداء. لذا قدمت الإدارة المركزية القومية وبتوجيه من نيافة المطران أفاك أسادريان في سنة ١٩٨٨م طلبا إلى قداسة كاثوليكوس عموم الأرمن فازكين الأول بتزويد أبرشية الأرمن في العراق بحجر الصليب، وهذا ما فعله قداسة كاثوليكوس عموم الأرمن، حيث قدم هدية مكرسة لذكرى الابادة التي تعرض لها الشعب الارمني. وبعد أخذ إذن قداسة الكاثوليكوس بوشر في نحت حجر الصليب، ولكن الأسباب مختلفة تأخر إرسال الصليب ووصل أخيرا إلى بغداد في 10 يونيو/حزيران سنة ١٩٩٩م. وقد تم نحت حجر الصليب على حجر الطوف الأرمني على يد حرفي أرمني، ويُعد هذا النصب أحد المنحوتات الرائعة التي زبنت الجهة اليمنى من باحة كنيسة كريكور المنور في بغداد والتي تضم مقر مطرانية الأرمن في العراق، وقد تم تدشينه في ٢٤ أبريل/نيسان سنة ٢٠٠٠م في الذكرى الخامسة والثمانين للمجزرة الأرمنية الكبرى ونحت على حجر المرمر للمجمع العبارة الآتية:
بحول وإرادة الله،
برعاية قداسة الجثالقة لعموم الأرمن فازكين الأول وكاريكين الأول وكاريكين الثاني وبزعامة نيافة المطران آفاك آسادريان، أهدي وأرسل حجر الصليب ونُصب بمؤازرة طائفة الأرمن في العراق، تكريما لذكرى شهداء الابادة الأرمنية الكبرى فى شهر أبريل سنة ١٩١٥م، عام ١٤٧٣ حسب التقويم الأرمني القديم والموافق ٢٤ أبريل/نيسان ٢٠٠٠م، بغداد ، لتبقى ذكرى مباركة للأبرياء.
وضم المجمع في داخله جثامين عدد من المقاتلين الابطال الذين كان لهم دور مشرف في إنقاذ النساء والأطفال والشيوخ الثكلى من براثم العثمانيين وإيصالهم الى بر الامان ومن بين هؤلاء الابطال البطل ليفون شاغويان وجثمان أزاد (باغتيك) سيمونيان، وهناك لوحة من النحاس سجل عليها أسماء الشهداء الأرمن الذين استشهدوا اثناء الدفاع عن وطنهم العراق، وتعبر عن عمق انتمائهم وهويتهم العراقية حيث بلغ عددهم ۱۱۷ شهيدا. لقد مثلت هذه الكنيسة صرحاً معمارياً رائعاً حتى عدت من معالم بغداد المميزة. لم يتوقف عطاء أبناء الطائفة الأرمنية في العراق، فجهودهم مميزة من خلال تشييدهم صروح معمارية لها طابعها المعماري المميز من كنائس ودور أيتام ودور رعاية كبار السن، فضلاً عن المدارس التي تركت أثراً في احتفاظ الأرمن بلغتهم الأم. ومن بين هذه الصروح المعمارية المهمة دير القديس كارابيت، تم تشييد هذا الدير في عام ١٩٧٣م بكل مستلزماتها الحديثة في (محلة نوراشين) ١٤٩ المكتظة بالأرمن داخل محيط دار العجزة ، وذلك تلبية للمتطلبات الروحية لسكان المنطقة ودار العجزة. وتلقى في هذا الديرمحاضرات حول إعداد كهنة، وكذلك محاضرات عن الكتب المقدسة لهيأة محبي الكنيسة الأرمنية وتاريخ الكنيسة الأرمنية. وبعد أربع سنوات من الدراسة الكهنوتية يدخل الخريجون حيز العمل في المجالات الدينية.
أما الكنيسة الرابعة التي تم بناؤها في بغداد، فهي كنيسة القديسيين الشهداء. تقع هذه الكنيسة في منطقة “أم جدر” على أرض مقبرة الأرمن الجديدة. وهذه الأرض هي هبة مجانية من الحكومة بمساحة (۱۰۰۰۰۰) متر مربع، وتم تخصيص مساحات مماثلة للطوائف المسيحية الاخرى في بغداد، وتقع هذه الأرض على طريق مدينة بعقوبة على بعد 35 كم من كنيسة القديس كريكور المنور التي تضم مقر مطرانية الأرمن في بغداد. وقد تم تدشين الكنيسة التي كرسها نيافة المطران أفاك آسادريان وشارك في مراسم (التكريس) أيضا (۱۹۹۰م) راعي ابرشية “شيراك” في ارمينيا الأسقف ناريك شاكاريان الذي كان موجودا آنذاك في بغداد. ولهذه الكنيسة قصة ظريفة ومحزنة، حيث كانت المأوى الذي لجأ اليه الأرمن بسبب الهجوم الأمريكي على العراق وما كانت تعرف بحرب الخليج الثانية، كان ذلك في يناير/ كانون الثاني سنة ۱۹۹۱م اي بعد سبعة أشهر أو ثمانية من تدشينها. وهناك وثيقة تتحدث عن مقبرة الأرمن التي منحها السلطان العثماني مراد الرابع الى الأرمن في سنتي ١٦٣٨ — ١٦٣٩م، تقع هذه المقبرة خارج أسوار محلة باب المعظم. ووفقاً لما ورد في رسالة الوكيل البطريركي في بغداد الأسقف أريسطاكيس ديردزاكيان في رسالته الموجهة إلى بطريق الأرمن ماغاكيا أورمانيان بتاريخ ١٤ يونيو / حزيران سنة ١٨٩٩م فإن هذه المقبرة توقفت فيها عمليات دفن الموتى في تسعينات القرن التاسع عشر، حيث جاء في هذه الرسالة : “في التسعينيات من القرن التاسع عشر أصبح مكان هذه المقبرة بعيدا عن الحي المسيحي، ولتشييع جنازة الموتى إلى المقبرة كان يتطلب المرور عبر السوق الكبيرة، وهو ما كان يعرقل الوصول إلى هناك، خاصة لوجود المعسكر بجوار المقبرة وفيضان نهر دجلة الذي دفع الجنود إلى وضع الحواجز على حواف السدود كل هذا أدت إلى ظهور مناظر غير مستساغة أمام المشيعين .وانطلاقا من الأسباب المذكورة أغلقت هذه المقبرة في التسعينيات من القرن التاسع عشر، ومن ثم بدأ دفن الموتى في باحة كنيسة الثالوث المقدس وباحة كنيسة مريم العذراء في ساحة الميدان لبعض الوقت.






